كانت رحلتي مع هذا السؤال شخصية ومهنية. كأم لابنتي "آمنة"، وكمعلمة لرياض الأطفال، شعرت بثقل المسؤولية. في عالمٍ تتدفق فيه المعلومات المشوهة وغير المنضبطة، لم يعد خيار الصمت أو التأخير مجديًا. لكنني، وإيمانًا مني بأن الإسلام منهج حياة شامل، أردت أن تكون تربيتي قائمة على أسس شرعية وأخلاقية سليمة.
لم أرد لابنتي أن تسمع عن هذه الأمور من مصادر مشبوهة، فقررت أن أكون أنا المصدر الأول، ولكن بلغة تناسب عمرها، وبروح إيمانية تحفظ لها حياءها وهو أغلى ما لديها. التربية الجنسية في الإسلام ليست مجرد معلومات بيولوجية جافة، بل هي بناء لشخصية متزنة، تعرف حق الله في جسدها، وتعي مفهوم العفة والاحترام.
(الفصل الأول: البداية – عندما تسأل الأسئلة المحرجة)
لا أنسى ذلك اليوم الذي جاءتني فيه آمنة، وكانت في الخامسة من عمرها، وسألتني بسذاجة: "ماما، من أين جئت؟". كان سؤالاً متوقعًا، لكنه لا يزال يصيب الكثير من الآباء بالارتباك.
في الماضي، كانت الإجابات تتراوح بين "وجدتك في الحديقة" أو "جئت من السماء". لكنني أردت لابنتي أن تبدأ رحلة المعرفة مع مصدر موثوق، وهو أنا. تذكرت قول الله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا" (التحريم: 6). كيف أقيهم النار إن لم أُحصنهم بالعلم النافع؟
أجلستها بجواري وقلت لها بهدوء: "الله تعالى هو الذي خلقنا وأحسن خلقنا. كان بابا وماما نحب بعضنا، فدعا الله تعالى وطلبنا منه أن يهبنا طفلة صغيرة جميلة مثل القمر. فاستجاب الله دعاءنا، ووضعك في مكان خاص وآمن جدًا في بطن ماما، يسمى الرحم. هناك نميتِ وكبرتِ مثل الزهرة، وكان الله يحميك ويطعمك من طعام ماما. ثم عندما حان الوقت، أخرجك الله إلى الدنيا بسلام لتكوني نعمة لنا ونشكر الله عليك".
لاحظت كيف كانت عيناها تتسعان بالإعجاب والرهبة. لم يكن الحديث عن "كيف" بالتفصيل، بل كان عن "من"؟ كان الخالق هو محور القصة. حولت السؤال من سؤال بيولوجي محرج إلى قصة إيمانية عن عظمة الخلق ونعمة الله. قلت لها: "فالجسد الذي نمت فيه هو من نعم الله، ويجب أن نحافظ عليه".
تعميق مراقبة الله (تعريف الحلال والحرام): علمت آمنة أن الله يراقبها في كل مكان. قلنا: "الله معنا دائمًا، وهو يعلم ما نفعله حتى لو لم يرنا أحد. لذلك، يجب أن نستحي من الله". كان هذا هو الحاجز الداخلي الأقوى. علمتها أن بعض الأمور "حلال" ومباحة، وبعضها "حرام" وممنوع لأن الله لا يحبه.
غرس قيمة الحياء: كنت أردد أمامها دائمًا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الْحَيَاءُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ" (متفق عليه). شرحت لها أن الحياء ليس خجلًا، بل هو خلق جميل يمنعنا من فعل القبيح. قلت: "الحياء هو أن نستحي من الله أن نعصيه، وأن نستحي من الناس أن نفعلاً شيئًا قبيحًا أمامهم".
الحدود الشخصية (آداب الاستئذان): هنا دمجت التربية السلوكية مع التوعية. علمتها من خلال القرآن الكريم. قلت: "الله يقول في كتابه: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ" (النور: 58). هذا يعني أنه حتى الأطفال يجب أن يستأذنوا قبل الدخول على الكبار في أوقات محددة. لماذا؟ لأن هذه أوقات راحة وخصوصية للكبار". بهذا، غرست فيها مفهوم احترام خصوصية الآخرين، وبالتالي تنتظر أن يحترم الآخرون خصوصيتها هي أيضًا.
غض البصر: علمتها حديث: "إِنَّ لَكَ عَلَى وَجْهِكَ حَقًّا". بمعنى أن لعينيك حقًا، فلا تضعيهما إلا في الحلال. قلنا: "عندما نرى شيئًا لا يصح أن ننظر إليه، نغض بصرفنا عنه، لأن هذا يرضي الله ويحمي قلوبنا".
تسمية الأعضاء باللغة الصحيحة: تجنبت استخدام أسماء "مدللة" للأعضاء الحساسة، بل استخدمت الاسم الشرعي الصحيح (كالفرج) في سياق النظافة والطهارة، مع التأكيد على أن هذه أماكن "خاصة" لا يراها أو يلمسها أحد إلا للضرورة (كالطبيب مع وجودي).
اللباس: علمتها أن هناك ملابس للبيت (مريحة ولكن محتشمة) وملابس للنوم (خاصة بالغرفة فقط)، وملابس للخارج (تغطي الجسم بشكل كامل). وربطت ذلك بحديث: "إن الله جميل يحب الجمال"، وأن الجمال الحقيقي هو في الاحتشام والطهارة.
فصل الحمامات: التأكيد على أن كل طفل له خصوصيته في الحمام، ولا يدخل مع طفل آخر.
قصص الأنبياء: كنت أحكي لها قصة سيدنا يوسف عليه السلام وكيف فضل السجن على المعصية، لتعلم قيمة العفة وقوة الإرادة أمام الإغراء.
الخوف من "تفوّق" المعلومات: كنت أخشى أن أعطيها معلومات فوق عمرها. الحل: كان في الإجابة على سؤالها فقط، دون إطالة أو تفصيل. "أعطِ الجواب بأقصى درجات الاختصار والإيجاز" كان شاغلي.
ضغط المجتمع والانفتاح: كيف أحميها من رسائل الإعلام المضادة؟ الحل: كان في بناء المناعة الداخلية. بتعزيز ثقتها بنفسها وبقيمها، وبتعليمها أن الجميل في ديننا هو الحياء، وأن ما يراه الآخرون "حرية" قد يكون في ديننا مما لا يرضي الله.
الخجل من المصطلحات: الحل: تعلمت أن أتخطى خجلي لأجل مصلحتها. كنت أتدرب على الكلمات مسبقًا، وأتلو آيات الله وأذكره لأطمئن.
تعارض المعلومات من الأقران: الحل: كان في فتح قناة حوار دائمة. قلت لآمنة: "إذا سمعتِ أي كلمة غريبة، أو أي سؤال، تعالي واسأليني أنا أولاً. لا تخجلي، فأنا أمك وأحبك وسأشرح لك الأمر بطريقة صحيحة".
أدركتُ أن التربية الجنسية ليست محاضرة نلقيها مرة واحدة، بل هي عملية مستمرة من البناء والتوجيه. هي ليست تخويفًا، بل تمكينًا. هي ليست كسرًا للحياء، بل توجيهًا له ليكون في مكانه الصحيح.
إلى كل أم ومعلمة تقرأ هذا الكلام: ثقوا بأنفسكم، وثقوا بفطرة أطفالكم. ابدؤوا الحوار مبكرًا، واجعلوا تعاليم الإسلام النور الذي يضيء لهم الطريق. لا تنتظروا حتى يملأ الآخرون عقولهم بالشبهات والأفكار الملتوية.
لأن طفلنا الذي نربيه على مراقبة الله وغض البصر والعفة، لن يكون ضعيفًا، بل سيكون أقوى أسلحتنا في مواجهة هذا الزمن. ستكون براءته مسلحة بالإيمان، محمية بسياج من القيم، ومضيئة بنور الحياء الذي لا يأتي إلا بكل خير.
في الماضي، كانت الإجابات تتراوح بين "وجدتك في الحديقة" أو "جئت من السماء". لكنني أردت لابنتي أن تبدأ رحلة المعرفة مع مصدر موثوق، وهو أنا. تذكرت قول الله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا" (التحريم: 6). كيف أقيهم النار إن لم أُحصنهم بالعلم النافع؟
أجلستها بجواري وقلت لها بهدوء: "الله تعالى هو الذي خلقنا وأحسن خلقنا. كان بابا وماما نحب بعضنا، فدعا الله تعالى وطلبنا منه أن يهبنا طفلة صغيرة جميلة مثل القمر. فاستجاب الله دعاءنا، ووضعك في مكان خاص وآمن جدًا في بطن ماما، يسمى الرحم. هناك نميتِ وكبرتِ مثل الزهرة، وكان الله يحميك ويطعمك من طعام ماما. ثم عندما حان الوقت، أخرجك الله إلى الدنيا بسلام لتكوني نعمة لنا ونشكر الله عليك".
لاحظت كيف كانت عيناها تتسعان بالإعجاب والرهبة. لم يكن الحديث عن "كيف" بالتفصيل، بل كان عن "من"؟ كان الخالق هو محور القصة. حولت السؤال من سؤال بيولوجي محرج إلى قصة إيمانية عن عظمة الخلق ونعمة الله. قلت لها: "فالجسد الذي نمت فيه هو من نعم الله، ويجب أن نحافظ عليه".
(الفصل الثاني: الأسس الإسلامية للتربية الجنسية – بناء سياج من القيم)
من خلال تجربتي مع آمنة ومع أطفال الروضة، أدركت أن التربية الجنسية في الإسلام تبنى على عدة أسس رئيسية، تجعلها شاملة ومتوازنة:تعميق مراقبة الله (تعريف الحلال والحرام): علمت آمنة أن الله يراقبها في كل مكان. قلنا: "الله معنا دائمًا، وهو يعلم ما نفعله حتى لو لم يرنا أحد. لذلك، يجب أن نستحي من الله". كان هذا هو الحاجز الداخلي الأقوى. علمتها أن بعض الأمور "حلال" ومباحة، وبعضها "حرام" وممنوع لأن الله لا يحبه.
غرس قيمة الحياء: كنت أردد أمامها دائمًا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الْحَيَاءُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ" (متفق عليه). شرحت لها أن الحياء ليس خجلًا، بل هو خلق جميل يمنعنا من فعل القبيح. قلت: "الحياء هو أن نستحي من الله أن نعصيه، وأن نستحي من الناس أن نفعلاً شيئًا قبيحًا أمامهم".
الحدود الشخصية (آداب الاستئذان): هنا دمجت التربية السلوكية مع التوعية. علمتها من خلال القرآن الكريم. قلت: "الله يقول في كتابه: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ" (النور: 58). هذا يعني أنه حتى الأطفال يجب أن يستأذنوا قبل الدخول على الكبار في أوقات محددة. لماذا؟ لأن هذه أوقات راحة وخصوصية للكبار". بهذا، غرست فيها مفهوم احترام خصوصية الآخرين، وبالتالي تنتظر أن يحترم الآخرون خصوصيتها هي أيضًا.
غض البصر: علمتها حديث: "إِنَّ لَكَ عَلَى وَجْهِكَ حَقًّا". بمعنى أن لعينيك حقًا، فلا تضعيهما إلا في الحلال. قلنا: "عندما نرى شيئًا لا يصح أن ننظر إليه، نغض بصرفنا عنه، لأن هذا يرضي الله ويحمي قلوبنا".
تربية الأولاد في الإسلام | التربية الجنسية محمد راتب النابلسي فيديو
(الفصل الثالث: التطبيق العملي – من النظرية إلى الممارسة)
لم تكن التربية مجرد كلمات، بل تحولت إلى ممارسات يومية:في المنزل مع آمنة:
الاستئذان: تعودت أن تستأذن قبل الدخول إلى غرفة النوم، ونفعل نفس الشيء معها.تسمية الأعضاء باللغة الصحيحة: تجنبت استخدام أسماء "مدللة" للأعضاء الحساسة، بل استخدمت الاسم الشرعي الصحيح (كالفرج) في سياق النظافة والطهارة، مع التأكيد على أن هذه أماكن "خاصة" لا يراها أو يلمسها أحد إلا للضرورة (كالطبيب مع وجودي).
اللباس: علمتها أن هناك ملابس للبيت (مريحة ولكن محتشمة) وملابس للنوم (خاصة بالغرفة فقط)، وملابس للخارج (تغطي الجسم بشكل كامل). وربطت ذلك بحديث: "إن الله جميل يحب الجمال"، وأن الجمال الحقيقي هو في الاحتشام والطهارة.
في فصل الروضة (بطريقة غير مباشرة):
أنشطة "دائرة الخصوصية": كما شرحت في مقال سابق، ولكن هذه المرة بربطها بحديث الاستئذان. "جسدك هو مساحتك الخاصة، ويجب أن يستأذن منك من يريد دخولها".فصل الحمامات: التأكيد على أن كل طفل له خصوصيته في الحمام، ولا يدخل مع طفل آخر.
قصص الأنبياء: كنت أحكي لها قصة سيدنا يوسف عليه السلام وكيف فضل السجن على المعصية، لتعلم قيمة العفة وقوة الإرادة أمام الإغراء.
(الفصل الرابع: التحديات والصعوبات – وكيف تجاوزناها)
واجهتني تحديات عديدة في هذه الرحلة التربوية:الخوف من "تفوّق" المعلومات: كنت أخشى أن أعطيها معلومات فوق عمرها. الحل: كان في الإجابة على سؤالها فقط، دون إطالة أو تفصيل. "أعطِ الجواب بأقصى درجات الاختصار والإيجاز" كان شاغلي.
ضغط المجتمع والانفتاح: كيف أحميها من رسائل الإعلام المضادة؟ الحل: كان في بناء المناعة الداخلية. بتعزيز ثقتها بنفسها وبقيمها، وبتعليمها أن الجميل في ديننا هو الحياء، وأن ما يراه الآخرون "حرية" قد يكون في ديننا مما لا يرضي الله.
الخجل من المصطلحات: الحل: تعلمت أن أتخطى خجلي لأجل مصلحتها. كنت أتدرب على الكلمات مسبقًا، وأتلو آيات الله وأذكره لأطمئن.
تعارض المعلومات من الأقران: الحل: كان في فتح قناة حوار دائمة. قلت لآمنة: "إذا سمعتِ أي كلمة غريبة، أو أي سؤال، تعالي واسأليني أنا أولاً. لا تخجلي، فأنا أمك وأحبك وسأشرح لك الأمر بطريقة صحيحة".
(خاتمة: براءة مسلحة بالإيمان)
اليوم، وآمنة تكبر، أرى ثمار هذه التربية المتوازنة. هي فتاة تحب الله وتستحي منه، تعرف حدود جسدها وتدافع عنه بثقة، وتفهم أن الجنس في الإسلام ليس عيبًا، بل هو نعمة من الله لها ضوابطها وآدابها في إطار الزواج الشرعي.أدركتُ أن التربية الجنسية ليست محاضرة نلقيها مرة واحدة، بل هي عملية مستمرة من البناء والتوجيه. هي ليست تخويفًا، بل تمكينًا. هي ليست كسرًا للحياء، بل توجيهًا له ليكون في مكانه الصحيح.
إلى كل أم ومعلمة تقرأ هذا الكلام: ثقوا بأنفسكم، وثقوا بفطرة أطفالكم. ابدؤوا الحوار مبكرًا، واجعلوا تعاليم الإسلام النور الذي يضيء لهم الطريق. لا تنتظروا حتى يملأ الآخرون عقولهم بالشبهات والأفكار الملتوية.
لأن طفلنا الذي نربيه على مراقبة الله وغض البصر والعفة، لن يكون ضعيفًا، بل سيكون أقوى أسلحتنا في مواجهة هذا الزمن. ستكون براءته مسلحة بالإيمان، محمية بسياج من القيم، ومضيئة بنور الحياء الذي لا يأتي إلا بكل خير.
