بعد أن أمسكت ابنتي آمنة بخيوط القراءة الأولى، وأصبحت قادرة على تمييز الحروف وقراءة كلمات بسيطة، بدأت أبحث عن نشاط يحول هذه المهارة إلى مغامرة ممتعة. لم أرد أن تظل القراءة مجرد عملية ميكانيكية، بل أردت أن تتحول إلى لعبة ذكاء واستكشاف. وهنا جاء دور "الكلمات المتقاطعة" بنسختها البسيطة والمبتكرة، التي تتناسب تماماً مع عقل طفلة في الروضة.
ما هي لعبتنا؟ ليست متقاطعات بالمعنى التقليدي
تخيلوا معي شبكة بسيطة، ربما 3×3 أو 4×4، مليئة بحروف عشوائية. مهمة آمنة كانت العثور على كلمات محددة مختبئة بين هذه الحروف. الكلمات قد تكون أفقية أو رأسية، ومأخوذة من قاموسها اليومي: "باب"، "قلم"، "شمس"، "بيت". بجانب الشبكة، توجد صور صغيرة لهذه الكلمات كدلالات بصرية تساعدها على تذكر الهدف.البداية: من الحيرة إلى لحظة "وجدتها!"
في المرة الأولى التي قدمت لها فيها اللعبة، نظرت إلى شبكة الحروف بتعبير حائر. بدت لها ككتلة غير مفهومة. فشرحت لها الفكرة بمثال عملي. أمسكت بإصبعها الصغير وقلت: "انظري، نحن نبحث عن كلمة "قلم". دعنا نبحث عن حرف القاف أولاً". عندما وجدت حرف القاف، تبعنا تسلسل الحروف ببطء: "قـ .. لـ .. م". عندما أكملنا الكلمة، صاحت بفرح: "وجدتها! هنا قلم!" كانت لحظة الاكتشاف تلك مليئة بالإثارة والإنجاز، وهو ما جعلها تطلب المزيد فوراً.متى كان التوقيت المناسب؟ علامات الاستعداد
لم أقدم اللعبة لآمنة مع بداية تعلمها للحروف. كنت أنتظر حتى تظهر عليها علامات واضحة تشير إلى أنها مستعدة لهذه الخطوة. هذه العلامات كانت:
المرحلة الأولى: النمذجة (أنا أفعل، أنت تشاهدين)
جلست بجانبها ووضعت الشبكة البسيطة (3x3) بيننا.
قلت: "اليوم سنلعب لعبة جديدة اسمها 'صيادو الكلمات'. انظري، سأبحث عن كلمة 'شمس'".
ثم بدأت أتظاهر بالبحث بطريقة مبالغ فيها، وأحرك إصبعي على الحروف وأنا أتهمس: "حرف الشين... أين هو؟ ها هو! الآن أبحث عن الميم بعده... ثم السين". عندما وجدت الكلمة، أحطتها بدائرة ورقصت فرحاً! كانت آمنة تشاهدني بشغف وفضول.
المرحلة الثانية: المشاركة الموجهة (نفعلها معاً)
في الجلسة التالية، قلت: "هيا نبحث معاً عن كلمة 'باب'".
أمسكت يدها وساعدتها في توجيه إصبعها للعثور على تسلسل الحروف.
شجعتها على نطق الحروف أثناء البحث: "بـ... ثم أـ... ثم بـ again". كانت مشاركتها النشطة هي الهدف هنا.
المرحلة الثالثة: الاستقلال مع الدعم (أنت تفعلين، وأنا أساعدك)
هنا أصبحت هي المحققَة. أعطيتها الشبكة وقلت: "حان دورك! يمكنك إيجاد كلمة 'قلم'؟".
تركتها تحاول بمفردها. إذا وجدت صعوبة، لم أتدخل فوراً بل قدمت تلميحات: "حرف القاف في مكان ما في هذا الصف" أو "انظري بشكل أفقي".
كان الاحتفال بإنجازها هو الجزء الأهم لتحفيزها.
المرحلة الرابعة: التحدي والتمديد (إضافة عناصر جديدة)
عندما أتقنت الشبكات الصغيرة، انتقلنا إلى شبكات 4x4.
أضفت كلمات جديدة بسيطة إلى جانب الكلمات المألوفة، لتعزيز مفرداتها.
في بعض الأحيان، كنا نرسم الصورة الخاصة بالكلمة بدلاً من كتابتها، لتدريب ذاكرتها البصرية وربط الصورة مباشرة بالكلمة.
وختاما أهم درس تعلمته هو أن توقيت تقديم النشاط لا يقل أهمية عن النشاط نفسه. تقديم نشاط متقدم جداً قد يقتل الثقة، وتقديم نشاط سهل جداً قد يسبب الملل. المراقبة الدقيقة للطفل، والبدء من حيث هو، والبناء خطوة بخطوة بصبر، هي الوصفة السحرية التي تجعل من أي لعبة تعليمية مغامرة لا تنسى تثري رحلته التعليمية.
- التمييز السريع للحروف: عندما أصبحت تعرف أغلب الحروف العربية بشكل منفرد، وتستطيع تمييزها بسرعة حتى وسط نصوص بسيطة.
- القراءة التلقائية لكلمات مألوفة: عندما أصبحت تقرأ كلمات شائعة مثل "ماما"، "بابا"، "بيت"، "قلم" دون الحاجة إلى تهجئتها كل حرف على حدة. هذا يعني أن مخزونها من "كلمات البصر" قد بدأ يتشكل.
- الفضول لحل الألغاز: عندما لاحظت أنها تستمتع بألعاب التطابق (Matching) والألغاز البسيطة (Puzzles). هذا كان مؤشراً على استعداد عقليتها لتقبل تحدي "البحث والاكتشاف".
كيف أدخلت النشاط؟ الاستراتيجية التدريجية
لم أضع أمامها ورقة مليئة بالحروف وقلت "هاكِ، ابحثي عن الكلمات". كانت الخطة أكثر دهاءً وتدرجاً:المرحلة الأولى: النمذجة (أنا أفعل، أنت تشاهدين)
جلست بجانبها ووضعت الشبكة البسيطة (3x3) بيننا.
قلت: "اليوم سنلعب لعبة جديدة اسمها 'صيادو الكلمات'. انظري، سأبحث عن كلمة 'شمس'".
ثم بدأت أتظاهر بالبحث بطريقة مبالغ فيها، وأحرك إصبعي على الحروف وأنا أتهمس: "حرف الشين... أين هو؟ ها هو! الآن أبحث عن الميم بعده... ثم السين". عندما وجدت الكلمة، أحطتها بدائرة ورقصت فرحاً! كانت آمنة تشاهدني بشغف وفضول.
المرحلة الثانية: المشاركة الموجهة (نفعلها معاً)
في الجلسة التالية، قلت: "هيا نبحث معاً عن كلمة 'باب'".
أمسكت يدها وساعدتها في توجيه إصبعها للعثور على تسلسل الحروف.
شجعتها على نطق الحروف أثناء البحث: "بـ... ثم أـ... ثم بـ again". كانت مشاركتها النشطة هي الهدف هنا.
المرحلة الثالثة: الاستقلال مع الدعم (أنت تفعلين، وأنا أساعدك)
هنا أصبحت هي المحققَة. أعطيتها الشبكة وقلت: "حان دورك! يمكنك إيجاد كلمة 'قلم'؟".
تركتها تحاول بمفردها. إذا وجدت صعوبة، لم أتدخل فوراً بل قدمت تلميحات: "حرف القاف في مكان ما في هذا الصف" أو "انظري بشكل أفقي".
كان الاحتفال بإنجازها هو الجزء الأهم لتحفيزها.
المرحلة الرابعة: التحدي والتمديد (إضافة عناصر جديدة)
عندما أتقنت الشبكات الصغيرة، انتقلنا إلى شبكات 4x4.
أضفت كلمات جديدة بسيطة إلى جانب الكلمات المألوفة، لتعزيز مفرداتها.
في بعض الأحيان، كنا نرسم الصورة الخاصة بالكلمة بدلاً من كتابتها، لتدريب ذاكرتها البصرية وربط الصورة مباشرة بالكلمة.
لماذا نجحت هذه الطريقة؟
لأنها حولت النشاط من تحدٍ مخيف إلى لعبة ممتعة ننتظرها كل أسبوع. لأن آمنة لم تشعر أبداً بأنها عاجزة أو فاشلة. كانت تشعر بأنها شريكتي في اللعبة أولاً، ثم أصبحت بطلة فيها لاحقاً.كيف استفدنا من اللعبة؟ أكثر من مجرد تسلية
- تعزيز التمييز البصري:كانت لعبة البحث عن الحروف بين حروف أخرى متشابهة (مثل الجيم والحاء، أو السين والشين) تدرب عينها على التمييز الدقيق بين أشكال الحروف، وهي مهارة أساسية للقراءة السريعة لاحقاً.
- تدريب التهجئة والتركيب: لم تعد الكلمة مجرد صورة في ذهنها، بل أصبحت سلسلة من الحروف المتتالية. كانت تهجئ الكلمة بصوت عالٍ أثناء تتبعها للحروف، مما عزز الربط بين شكل الحرف وصوته.
- بناء الثقة والصبر: في البداية، كانت تستسلم بسرعة إذا لم تجد الكلمة على الفور. تدريجياً، تعلمت الصبر والمثابرة. كانت فرحتها عندما تعثر على كلمة بمفردها لا تقدر بثمن، وبنيت ثقتها في قدرتها على "حل الألغاز".
- توسيع المفردات:كنت أدرج دائماً كلمة أو اثنتين جديدتين قريبتين من مستواها. كانت هذه فرصتنا لشرح معنى كلمة مثل "سفينة" أو "قرد"، مما وسع من حصيلتها اللغوية بشكل طبيعي.












